الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
102
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
التلقيح جعلت فيه ذكورة اللقاح ، فصار الذكر من النخل بمنزلة الذّكر من الحيوان الذي يلقّح الإناث لتحمل . تأمّل خلقة الجذع كيف هو ، فإنك تراه كالمنسوج نسجا من خيوط ممدودة كالسدى وأخرى معه معترضة كاللحمة كنحو ما ينسج بالأيدي وذلك ليشتدّ ويصلب ، ولا يتقصف من حمل القنوان الثقيلة وهزّ الرياح العواصف إذا صار نخلة ، وليتهيأ للسقوف والجسور وغير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعا ، وكذلك ترى الخشب مثل النسج ، فإنك ترى بعضه متداخلا بعضا كتداخل أجزاء اللحم ، وفيه مع ذلك متانة ليصلح لما يتخذ منه من الآلات ، فانهّ لو كان مستحصفا كالحجارة لم يكن أن يستعمل في السقوف وغير ذلك مما يستعمل فيه الخشبة كالأبواب والأسرّة والتوابيت وما أشبه ذلك . ومن جسيم المصالح في الخشب أنهّ يطفو على الماء ، فكلّ الناس يعرف هذا منه وليس كلّهم يعرف جلالة الأمر فيه ، فلولا هذه الخلة كيف كانت هذه السفن والأظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة ، وأنّى كان ينال الناس هذا الرفق وخفّة المؤنة في حمل التجارات من بلد إلى بلد ، وكانت تعظم المؤنة عليهم في حملها حتى يلفى كثير مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقود أصلا أو عسر وجوده ( 1 ) . قال الشارح : ومن عظيم الحكمة في الخشب عدم تأثرّه من الكهرباء الذي استخدمه البشر الذي سخّر تعالى له ما في السماوات والأرض في هذه الاعصار ومنعه من تأثيره حتى لا يتلف الإنسان والحيوان ، ولولاه لما استفيد كما ينبغي من هذه النعمة الجليلة . قال عليه السّلام : تأمل يا مفضل ، الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات ،
--> ( 1 ) توحيد المفضل : 162 ، والنقل بتصرف يسير .